ابن المقفع

104

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

مغرزها من القلّب لا قوّة لها ولا حياة بها ولا منفعة عندها حتّى يعتملها الأدب الذي هو نماؤها وحياتها ولقاحها . وجلّ الأدب بالمنطق « 1 » وكلّ المنطق بالتّعلّم ليس حرف من حروف معجمه ، ولا اسم من أنواع أسمائه إلا وهو مرويّ متعلّم مأخوذ عن إمام سابق من كلام أو كتاب وذلك دليل على أنّ النّاس لم يبتدعوا أصولها ولم يأتهم علمها إلّا من قبل العليم الحكيم . فإذا خرج النّاس ، من أن يكون لهم عمل أصيل وأن يقولوا قولا بديعا فليعلم الواصفون المخبرون : أنّ أحدهم وإن أحسن وأبلغ ، ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص « 2 » وجد ياقوتا وزبرجدا ومرجانا فنظمه قلائد وسموطا « 3 » وأكاليل ، ووضع كلّ فصّ موضعه وجمع إلى كلّ لون شبهه ، ممّا يزيده بذلك حسنا فسمّي بذلك صائغا رفيقا . . . وكصاغة الذّهب والفضّة صنعوا فيها ما يعجب النّاس من الحلي « 4 » والآنية . . . وكالنّحل وجدت ثمرات أخرجها اللّه طيّبة ، وسلكت سبلا جعلها اللّه ذللا « 5 » فصار ذلك شفاء وطعاما وشرابا منسوبا إليها مذكورا به أمرها ، وصنعتها . فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه أو يستحسن منه ، فلا يعجبنّ به إعجاب المخترع المبتدع فإنّه إنّما اجتباه « 6 » كما وصفنا . ومن أخذ كلاما حسنا عن غيره فتكلّم به في موضعه على وجهه فلا يرينّ عليه في ذلك ضئولة ، فإنّه من أعين على حفظ قول المصيبين وهدي

--> ( 1 ) المنطق : الكلام وعلم المنطق هو القواعد التي تعصم الذهن عن الخطأ في الفكر . ( 2 ) الفصوص : جمع فصّ وهو ما يركب في الخاتم من الحجارة الكريمة أو قلب الخاتم . ( 3 ) السموط : جمع سمط وهو الخيط ما دام الخرز ونحوه منتظما فيه . ( 4 ) الحلي : كل ما يزيّن به من المصوغات المعدنيّة وما شاكلها . ( 5 ) جعلها ذللا : ذلولا أي سهل الانقياد . ( 6 ) اجتباه : اصطفاه ، اختاره .